تحليل: واشنطن تضغط على حلفائها وسط صراع الممرات الإقليمية
تحليل | ماذا يجري بين واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط؟
قبل بدء الحرب الأميركية على إيران، كان الدور المفترض للسعودية وتركيا، كدول حليفة لواشنطن، يتركّز على مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، والمتمثل بشكل أساسي بالمجموعات المسلحة المرتبطة بطهران، خصوصاً في اليمن وسوريا.
وهذا المسار كان قائماً منذ نحو عام 2016.
لكن مع بدء الحرب على إيران تغيّرت المعادلة. لم يعد المطلوب من دول الخليج وتركيا فقط مواجهة نفوذ إيران، بل أصبح المطلوب منها الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران كدولة، مع ضمان استمرار تدفق النفط والتجارة وبأسعار منخفضة.
وهنا بدأ الخلاف.
السؤال هو: لماذا ترفض تركيا ودول الخليج الانخراط في حرب مباشرة مع إيران رغم أنها جزء من المعسكر الغربي المنافس لما يمكن وصفه بـ"حلف الشرق"؟
بحسب هذه القراءة، عندما دفعت الولايات المتحدة بأسطولها العسكري إلى الشرق الأوسط عام 2025، لم يكن الهدف فقط مواجهة النفوذ الإيراني، بل أيضاً خلق واقع إقليمي يسمح لإسرائيل بتوسيع نفوذها وسيطرتها في الشرق الأوسط.
وهذا البعد لم يكن جزءاً من التفاهم الأصلي بين واشنطن من جهة، وتركيا والدول العربية من جهة أخرى.
لذلك بدأت تركيا ودول الخليج بالتقارب وتشكيل محور يحاول تجنب الدخول في حرب إقليمية واسعة، لأنها ستكون حرباً استنزافية قد تدفع الدول العربية وتركيا ثمناً كبيراً مقابل نتيجة تصب في النهاية في مصلحة إسرائيل.
وهنا استخدم ترامب أوراق ضغط أخرى، من بينها ملفات القوى الانفصالية في سوريا واليمن، خصوصاً خلال شهري نوفمبر وديسمبر 2025.
لكن الضغط اليوم لا يقتصر على الملفات العسكرية.
هناك معركة أخرى على ممرات النفط والتجارة البديلة، خصوصاً بعد أزمة مضيق هرمز والتوتر المستمر في مضيق باب المندب.
وبحسب هذا التحليل، هناك ثلاثة ممرات أساسية جرى استهدافها أو الضغط عليها:
الممر الأول: السعودية نيوم مصر دمياط
وهو ممر كان يمكن أن يسمح بتمرير النفط والتجارة بعيداً عن المضائق المهددة.
هذا الممر تم استهدافه وقصفه بالفعل.
وبالتالي، الرسالة لا تتعلق فقط بمنشأة أو موقع محدد، بل بإمكانية إنشاء طريق بديل يسمح للسعودية بتجاوز نقاط الاختناق البحرية.
الممر الثاني: سلطنة عُمان
عُمان تمثل خياراً آخر لإنشاء أو استخدام مسار بديل لحركة النفط والتجارة بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية.
لكن سلطنة عُمان تعرّضت أيضاً لتهديد أميركي بالقصف، في رسالة ضغط مباشرة على أي محاولة لاستخدام أراضيها أو موانئها كجزء من ممرات بديلة للنفط والتجارة خارج المعادلة التي تريد واشنطن فرضها في المنطقة.
الممر الثالث: سوريا باتجاه أوروبا
وهذا الممر يمكن أن يمر عبر الأراضي السورية باتجاه أوروبا بدلاً من المرور عبر الأراضي الإسرائيلية.
وهنا يأتي القصف الإسرائيلي في شمال سوريا.
إسرائيل قصفت قاعدة عسكرية في شمال سوريا، والهدف، بحسب هذه القراءة، هو جعل المنافذ والممرات السورية غير آمنة لأي مشاريع اقتصادية أو استراتيجية مستقبلية.
كما أن استهداف المطار العسكري السوري يحمل رسالة إضافية إلى تركيا، باعتبار أن أنقرة جزء أساسي من المحور السني الموجود في الساحة السورية.
الرسالة لتركيا واضحة: الضغط عليها للانخراط في مواجهة إيران والمجموعات المسلحة المرتبطة بها، بدلاً من ترك الولايات المتحدة وإسرائيل تتحملان العبء العسكري بالكامل.
لكن المسألة، بحسب هذا التحليل، لا تتوقف عند إيران.
إسرائيل لا تريد فقط القضاء على ما يُعرف بالمحور الشيعي أو الإيراني، بل تريد أيضاً منع تشكل محور سني قوي يمكن أن يصبح لاحقاً منافساً سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً لها في المنطقة.
بمعنى آخر، أي تحالف سعودي تركي خليجي مستقل وقادر على التحكم بممرات الطاقة والتجارة يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى قوة إقليمية لا تخدم مشروع الهيمنة الإسرائيلية.
ولهذا تصبح ممرات النفط والتجارة جزءاً أساسياً من الصراع.
الأسلوب نفسه الذي يستخدمه ترامب في الشرق الأوسط مع تركيا ودول الخليج يظهر أيضاً في شرق آسيا.
بعد إلغاء تدريب عسكري كان من المفترض أن يجري مع كوريا الجنوبية، لم يكتف ترامب بذلك، بل نشر موقفاً حاول من خلاله التقرب من كوريا الشمالية، العدو الرئيسي لكوريا الجنوبية.
وهنا تظهر السياسة نفسها: الحلفاء الذين يرفضون الخيار العسكري في مواجهة الصين أو إيران يتعرضون للضغط من واشنطن لإجبارهم على البقاء ضمن الخط الأميركي.
أما أوروبا، فالمشهد مختلف قليلاً.
الحلفاء الأوروبيون في مواجهة روسيا بدأوا يفهمون طبيعة هذا الضغط، وبدأوا بالتحضير لاحتمال مواجهة عسكرية أكبر مع موسكو، بعدما كان ترامب قد مارس عليهم سابقاً الضغط نفسه لدفعهم نحو تحمل مسؤولية الحرب بدلاً من الاعتماد على الولايات المتحدة.
وتركيا موجودة أيضاً في هذه الساحة.
فهي ليست متداخلة فقط في صراعات الشرق الأوسط، بل أيضاً في الحرب الأوروبية، خصوصاً مع إرسال الولايات المتحدة أسلحة إلى أوكرانيا عبر تركيا.
وهذا يضع أنقرة في موقف أكثر صعوبة، لأن سياستها السابقة كانت قائمة على محاولة الحفاظ على مسافة متوازنة بين روسيا وأوكرانيا.
لكن واشنطن تضيق اليوم هامش هذا التوازن.
إذاً نحن أمام ثلاث ساحات مواجهة رئيسية:
إيران في الشرق الأوسط.
الصين في آسيا.
روسيا في أوروبا.
وفي كل واحدة منها تحاول الولايات المتحدة دفع حلفائها إلى تحمل جزء أكبر من كلفة المواجهة.
لكن الساحة الأوروبية تبقى الأخطر.
السبب أن أي انتقال من الحرب الحالية إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والغرب يحمل خطراً وجودياً بسبب الترسانة النووية الروسية الضخمة.
ولهذا بدأت تظهر حتى داخل روسيا أصوات قومية متشددة تتحدث عن احتمال حرب نووية مع الغرب، ووصل بعضها إلى الدعوة لإخلاء المدن الروسية الكبرى باعتبار أن الصدام النووي أصبح، من وجهة نظرها، مسألة حتمية.
الخلاصة:
ما يجري اليوم ليس مجرد حرب بين أميركا وإيران، ولا مجرد مواجهة إسرائيلية إيرانية.
إنه صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي والدولي المقبل.
تركيا ودول الخليج تحاول تجنب الدخول في حرب مباشرة قد تدمر المنطقة وتصب نتائجها في مصلحة إسرائيل.
في المقابل، تستخدم واشنطن وإسرائيل الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي لإجبار هذه الدول على البقاء ضمن مسار المواجهة.
ولهذا نرى الضغط على السعودية، قصف الممر المرتبط بها، التهديد الأميركي بقصف عُمان، واستهداف إسرائيل لمواقع في سوريا.
لأن الحرب لم تعد فقط على الجيوش.
الحرب أصبحت أيضاً على الممرات، النفط، التجارة، التحالفات، ومن سيملك القدرة على رسم خريطة الشرق الأوسط بعد انتهاء المواجهة.
ملاحظة
الأخبار العاجلة تتطور وقد تتغير التفاصيل. إذا لاحظتم خطأ، راسلونا على [email protected] أو راجعوا معايير التحرير.
